رحلة القبائل

Posted on Posted in Uncategorized



حبي للاستكشاف والفضول والبحث عن المعرفة دفعني للسفر لمناطق مختلفة حول العالم، شاهدت الكثير من الأفلام عن الغابات الاستوائية ومخاطر الأدغال والقبائل آكلة لحوم البشر! فهل هذه القصص واقعية؟ هذه البداية لتدوين رحلاتي في أغرب مناطق العالم وقبائله.

رحلتي الأخيرة كانت في منطقة قبلية مختفية عن أنظار العالم في إحدى زوايا شرق إفريقيا النائية، يعيشها السكان الأصليين من قبيلة المرسي بالطرق البدائية في معزل عن عن الحداثة ورغبتهم في الصمود والعيش رغم طبيعة أراضيهم القاسية.

على الرغم من قراءة أخبار سجن الصحفيين وأنباء عن مقتل العشرات في مناطق جنوب إثيوبيا وعدم الاستقرار السياسي بسبب مرض رئيس الوزراء الذي توفي بعد ذلك خلال رحلتي! ارتأيت التوكل على الله وشد الرحال إلى مناطق الجنوب وبالتحديد وادي أومو قبل تحول الظروف لوضع ممكن يكون أسوأ مما هو عليه.

كانت هذه أول رحلة لي استخدم بها كاميرا فيديو لعمل فيديو وثائقي عن هذه الرحلة التي عرضتها في موقع يوتيوب وحصلت على رواج ممتاز لما فيه من معلومات عن المنطقة وبعض طرق العيش لعدة قبائل في مناطق الجنوب، فهو الفيديو العربي الأول يفصل حياة بعض القبائل الجنوبية.

وصلت إلى عاصمة إثيوبيا “أديس أبابا” وتفاجأت بكمية الأمطار وبرودة الطقس حيث تقع العاصمة على ارتفاع ٧٥٠٠ قدم/٢٣٠٠متر عن سطح البحر وبدأت بجولة في معالمها وآثارها فهي من أقدم الEthiopiaRainدول على وجه الأرض حيث تم الإثبات علمياً بأن إثيوبيا تعتبر من أوائل مناطق نشأة الإنسان عن طريق اكتشاف أقدم آثار بشرية هناك، والجدير بالذكر أن هناك عشرات القبائل تعيش بنفس نمط الحياه القديمة منذ مئات السنين من بينهم قبيلة المرسي التي قمت بزيارتها.

قبل بدء الرحلة جنوباً للقبائل قررت أن أستغل يوم كاملاً للاتجاه شمالاً إلى مصدر نهر النيل الأزرق وانبهرت بروعة المناظر على الطريق وكمية المياه والأشجار وجودة الطرقات الخارجية، ثم قمت بزيارة عائلة في إحدى القرى بطريقة عشوائية ولم أرى إلا كرم الضيافة والترحيب الحار وبعد احتساء القهوة الإثيوبية أخذني كبير العائلة في شرح نمط حياة العائلة وطريقة بناء مساكنهم حيث تبنى الجدران بالطين واستخدام نوع من الأعشاب لتثبيت الأطراف ويبنى السقف أيضاً من أعشاب كثيفة تسهم في مرور دخان الطبخ والتدفئة منه فهو متماسك يعزل مياه الأمطار وفي نفس الوقت يخرج الدخان من مساماتها الضيقة.

يتعاون القرويون في حمل المريض من قرية لقرية لمسافات طويلة للوصول لأقرب مستشفى
يتعاون القرويون في حمل المريض من قرية لقرية لمسافات طويلة للوصول لأقرب مستشفى

قبيلة المرسي – أحد أغرب قبائل العالم

قبيلة المرسي

من بين الكثير من القبائل التي قمت بزيارتها حتى الآن فإني جذبت للمرسي والقبائل القاطنة على نهر أومو بسبب غموضهم الشديد وعاداتهم الغريبة فإني أبحث عن أجوبة لفضولي وفرصة لتعريفهم بديني وبلدي.

بعد ٣ أيام من الترحال من قبيلة إلى قبيلة ومن منطقة إلى أخرى حان وقت الوصول بالقرب من حدود مناطق قبيلة المرسي، استأجرنا حارساً بحوزته سلاح كلاشينكوف AK-47 قديم للحماية شبيه بالأسلحة المنتشرة بين أفراد القبيلة للحماية من الحيوانات المفترسة وأيضاً التوترات القبلية حيث أن المنطقة تشتعل أحياناً بالخلافات بين قبائل المنطقة، فالسلاح هذا مع الحارس يزيد من احترام القبليين للمستكشف أو الزائر. فمن التحديات أنه من الممكن أن تنقلب الأمور من السيء إلى الأسوأ في أي لحظة لأي سبب ربما يكون سوء فهم بسيط، وربما يكون بسبب شخص سكران حيث رأيت أحد الرجال المسلحين يشرب الخمر من بداية الصباح!

كانت المفاجئة الأولى عند دخول المنطقة هي مشاهدة عائلة من الأسود في جولة للبحث عن الطعام وكانت لحظات رائعة لمشاهدة ملك الغابة مع ابناءه وزوجته في بيئتهم الطبيعية يمشون بكل ثقة عابرين الطريق الوعرة باتجاه النهر، أما الخلفية كانت في سماع زقزقات العصافير وقفز القردة من شجرة لأخرى وسماع أصوات فرس النهر من بعيد.

قبيلة المرسي قوية وشرسة تحوي مقاتلين ماهرين تهابها جميع القبائل الأخرى!

قبيلة معروفة باهتمامها بالزينة والألوان وتتزين نساء القبيلة بلوحات من الخشب أو الفخار في شفاههم السفلية. هناك الكثير من الأمور الغريبة “بالنسبة لنا” سأتحدث عنها.

قبيلة المرسي

قد تشعر ببعض الخوف عند مشاهدتهم بعيونهم الصغيرة وعظامهم الكبيرة ورائحتهم الغريبة وكمية الأسلحة بحوزتهم،

 ولكنه منظر عادي أن ترى رجال القبائل مدججين بالسلاح في هذه المناطق الحدودية مع كينيا، ف

هم يحمون أرضهم ومواشيهم من القبائل الأخرى حيث أن للماشية قيم مادية ومعنوية أيضاً خاصة للمهر والزواج.

شباب قبيلة المرسي

تعيش قبيلة المرسي في منطقة مصنفة كمحمية من قبل اليونيسكو للتراث العالمي في وادي أومو جنوب إثيوبيا بالقرب

 من الحدود الكينية، تحمي اليونسكو هذه المنطقة لأنها تحوي على آثار تؤدي إلى دراسات أعمق في تطور الإنسان ونشأته. المنطقة حارة مقارنة بوسط وشمال إثيوبيا وهي مليئة بحشائش السافانا إذ يعتمد سكان القبيلة بشكل كبير على الزراعة ورعاية الحيوانات للمعيشة.

يقوم ذكور القبيلة بتزيين أجسامهم بالطين الأبيض وعمل بعض التصاميم الفنية في مناطق معينة بالجسم، أما بعض

نساء القبيلة يستخدمن النباتات الجافة والأغصان و الحشرات الميته وذيول الحيوانات وجلودها في تزيين رؤوسهن وبذلك تكون زينة ملونة وغريبة، بإمكانك الآن أن تتخيل الرائحة التي تحدثت عنها مع هذا المزيج.نساء قبيلة المرسي

يقوم سكان القبيلة من فترة وأخرى بفرك أجسامهم بمواد
طبيعية ذات رائحة مميزة مشابهة بروائح التعرق ممزوجة برائحة جلود الحيوانات وهذة المواد تحميهم من الطفيليات والحشرات حسب قولهم.

من الأمور الغريبة أيضاً أن بعض نساء القبيلة يضعن قلادات فيها ٢٨ قطعة من العظام والأظافر البشرية.

تعتبر قبيلة المرسي من القبائل الرحل حيث ينتقلون إلى ضفاف نهر أومو في مواسم الجفاف من سبتمبر إلى فبراير، ويعودون عند موسم الأمطار لأراضيهم للعيش عند ماشيتهم والتمتع بحليبها الطازج بين مارس وأغسطس من كل عام. تعتبر الماشية جزء مهم من حياة القبيلة حيث تكون هي السلعة الوحيدة التي يمكن تبادلها بالنقود خلال أيام الجفاف القاسية.

لديهم الكثير من القصص المتناقلة من الأجداد والآباء ولكنها ليست موثقة، يحكون بالكثير من الحكم والقصص الأخلاقية والفلسفية وهذه ترسي قواعد ونظام معيشتهم.

واجهت قبائل جنوب إثيوبيا مرحلة صعبة في فترات الجفاف الطويلة وزادت على هذه الظغوطات تحويل مناطقهم إلى محميات ومنع الصيد. وبدأت القبائل تتنافس لامتلاك أكبر مساحة زراعية مما أدى لانتشار الخلافات والأسلحة الأوتوماتيكية في الثمانينات والتسعينات.

المنطقة تضم مجموعة كبيرة من الطيور والحيوانات، عند زيارتي للقبيلة شاهدت عائلتين من الأسود تجوب المنطقة ويمكن أيضاً مشاهدة فرس النهر والتماسيح والجواميس والفيلة.

محاصيلهم الزراعية تكون من الذرة والذرة الرفيعة (surghum) والفاصوليا وفي بعض الأحيان القرع.

لوح الشفاه

نساء قبيلة المرسي

من أشهر عادات القبيلة تزين النساء بوضح لوح خشب أو فخار في شفاههم السفلية حيث يتم قطعها من قبل أمها أو النساء المقربات عند بلوغ البنت ١٥ سنة ويتم وضع قطعة خشبية صغيرة حتى يلتئم الجرح. ثم يتم تركيب قطع أكبر فأكبر على فترات زمنية حتى الوصول إلى الحجم المرجو. هناك بعض نساء القبيلة يضعن لوحة قطرها ١٥ سنتمتراً! كلما كبر حجم اللوحة تكون أجمل في نظر شباب القبيلة ويكون مهرها أكبر من البقر والقطيع وتكون بنت قبيلة المرسي مخيرة في قطع اسفل شفها ولكن إن لم تحمل اللوح فسيكون مهرها قليل جداً قبل الزواج. ومن الجدير بالذكر أيضاً بأنه تتم إزالة الأسنان الأمامية لتفادي احتكاكها باللوح.

مع وضع اللوح الطيني فإن شعب المرسي لا يعرف القبلة وما معناها رغم انهم يزيلونها وقت النوم.

هناك غموض شديد عن سبب وضع هذا اللوح ولكن هناك فرضيات كثيرة.

هناك من يعتقد بأن حجم اللوح له علاقة بشروط ارتباط الزواج ولكنه اعتقاد خاطئ حيث يتم الاتفاق بين العائلين في الزواج على المهر قبل بلوغ البنت سن ١٥ سنة في الكثير من الأحيان. وهناك من يعتقد بأنه تشويه متعمد لنساء القبيلة حيث يتم اختيار النساء في أيام العبودية على جمالهن ولا يتم اختيار النساء ذوي عيب شكلي أو خلقي فقد كان يتم تصدير النساء في ذلك الوقت إلى اليمن.

ومن المظاهر الأخرى الغريبة للتزين أن يقوم بعض الأفراد بشق الجزء الأمامي من جلد البطن أو الصدر والقيام بإدخال يرقات الحشرات وثم إغلاق الجرح، بعد فترة من مقاومة جسم الإنسان لهذه الأجسام الغريبة، تموت اليرقة وتترك قبرها كعلامة بارزة في الجسم بشكل فني!

يعتقد المرسي بأن النساء هم كهنة الموت وهناك عدة طقوس يتم ممارستها من قبل الزوجين. أمور قد تكون غريبة جداً بالنسبة لنا ولكنهم يرونها رحمة لهم من بينها طقوس تسميم الزوجة لزوجها.

حتى فترة قريبة لم يكن هناك لغة مكتوبة للمرسي ولكن الآن تتم الكتابة عن طريق مزج الحروف اللاتينية والأمهرية.

ترتبط اعتقادات المرسي كثيراً بالمعالجة وغالبية اعتقاداتهم تكون على حسب البيئة والظروف حولهم ولاتوجد لديهم عقيدة صارمة، تعتقد قبيلة المرسي بأن سبب الأمراض هي توتر العلاقة بين المريض وشخص آخر وأيضاً تكون لظروف اجتماعية يمر بها المريض. هناك كهنة للقبيلة ولهم منصب قيادي في القبيلة وهناك القائد السياسي للقبيلة ويتم تنصيبه بسبب مواقف بطولية مرت عليها القبيلة. من المستحيل أن يتم اختيار النساء في مناصب قيادة القبيلة ولا يوجد نظام انتخابي شامل لتنصيب القائد.

تتم هذه الأيام إبادة العديد من عادات هذه القبائل الحامية لتقاليدها عن طريق مختلف العوامل الخارجية

y@yaz.ae

[wpgmza id=”2″]

2 thoughts on “رحلة القبائل

  1. رهيب يا كابتن، والله أتمنى أزور أثيوبيا ، واوثق هذي القبائل بالصور

    1. كانت جولة مميزة ونتمنى أن تشاركنا في الرحلات القادمة أخي العزيز

Comments are closed.